مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

66

موسوعه أصول الفقه المقارن

البراءة بالنسبة إلى الطرف الآخر بلا معارض في البين « 1 » . ووافقه على ذلك المحقّق العراقي أيضاً « 2 » . وأجاب عنهم المحقّق النائيني - وفاقاً للشيخ الأنصاري في تفصيله بين الشبهة التحريمية والوجوبية - بأنّ متعلق التكليف الوجوبي حيث كان هو الفعل ، وهو مستند إلى الإرادة والاختيار حتى فيما كان مفروض التحقق عادةً بدون أمر من المولى ، فصح تعلّق التكليف به من غير استهجان ، بخلاف متعلق التكليف التحريمي فإنّه الترك وهو عدمّي لا يحتاج إلى علّة توجبه ، بل يكفيه عدم إرادة الفعل ، وهو أيضاً عدمّي ، فلو كان الترك حاصلًا بنفسه عادةً لأجل عدم الداعي للمكلّف إلى الفعل كان النهي عنه لغواً مستهجناً « 3 » . ولكن السيّد الخوئي قدس سره - بعد الإيراد على التفصيل الذي ذكره الشيخ الأنصاري بأ نّه لو بني على أنّ التكليف بما هو حاصل عادةً كما هو مفروض الكلام لغو مستهجن ، فلا فرق فيه بين التكليف الوجوبي والتحريمي ، إذ كما يكون عن شيء متروكٍ في نفسه لغواً وقبيحاً من الحكيم كذلك يكون البعث نحو شيء حاصل بنفسه لغواً مستهجناً ، فلو قيل بالاشتراط لا فرق فيه بين التكليف الوجوبي والتحريمي - ذهب إلى تفصيل آخر ، وهو التفصيل بين الأوامر العرفيّة والأوامر الشرعية ، وحكم باشتراط الابتلاء في العرفية دون الشرعية ، وهذا في الحقيقة إنكارٌ للشرط المزبور بالنسبة للتكاليف الوجوبية والتحريمية معاً . واستدلّ له بأنّ الغرض من الأوامر والنواهي الشرعية ليس مجرد تحقق الفعل أو الترك خارجاً ، بل الغرض منها صدور الفعل أو الترك استناداً إلى أمر المولى ؛ ليحصل للمكلّف بهما الكمال النفساني كما أشير إليه في قوله تعالى : « وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » « 4 » بل فُرّق بين التعبّدي والتوصلي بما ذكر في مباحث الأمر والنهي من أنّ الغرض في كليهما هو الاستناد إلى أمر المولى ونهيه ، فلا يحصل غرض المولى بمجرد تحقق الفعل أو الترك حتى يقال بلغويّة الأمر أو النهي في هذا الفرض ، وهذا بخلاف الأوامر والنواهي العرفيّة التي ليس الغرض منها إلّاتحقق متعلّقها في الخارج ، وفي هذا الفرض يصحّ القول بأنّ الفعل لو كان في نفسه متروكاً فالغرض حاصل ، ولا وجه للنهي أو الأمر التشريعي . والمتحصّل أنّه لا يعتبر في تنجيز العلم الإجمالي كون الأطراف في معرض الابتلاء ، لا في الشبهة الوجوبية ولا في الشبهة التحريمية ، بل المعتبر كون جميع الأطراف مقدوراً للمكلّف فحسب ، فعلى هذا يجب الاحتياط بالنسبة للطرف الموجود في محلّ الابتلاء ولو مع خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء ؛ لفرض تحقق القدرة العقلية . ثمّ ادّعى قدس سره أنّ غالب الأمثلة التي ذكرها الشيخ للخروج عن محلّ الابتلاء أمثلة للخروج عن القدرة العقلية « 5 » . ثمّ إنّ الشهيد الصدر ممّن وافق السيد الخوئي قدس سره في عدم اشتراط التكليف بكون متعلّقه في محلّ الابتلاء ، فيكون التكليف بالمعلوم بالإجمال فيما إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء صحيحاً عنده أيضاً ، إلّا أنّه خالفه ووافق المشهور في حكمهم بعدم وجوب الاحتياط ببيان آخر ، غير ما ذكروه .

--> ( 1 ) . كفاية الأصول : 361 ، درر الفوائد ( الحائري ) 1 - 2 : 465 . ( 2 ) . انظر : فوائد الأصول 4 : 51 ( الهامش ) . ( 3 ) . انظر : المصدر السابق : 51 - 52 . ( 4 ) . البيّنة : 5 . ( 5 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 395 - 396 .